انطوائي مقابل انبساطي: ما نوع شخصيتك؟
الانطوائي (الانطواء) و الانبساطي (الانبساط) نوعان رئيسيان من شخصية الإنسان وفقاً لنظريات الشخصية البشرية التي طوّرها الطبيب النفسي والمحلل النفسي الألماني الشهير Carl Gustav Jung، الذي صاغ هذين المصطلحين لأول مرة لوصف الطرق المتباينة كلياً في التفاعلات الفردية داخل المجتمع، بهدف الفهم والتعلم والتكيّف من أجل تحقيق تعايش اجتماعي أكثر انسجاماً.
ما الفرق بين الانطوائيين و الانبساطيين؟
من الناحية النظرية، شرح Dr. Jung الفرق بين شخصية الانطوائي والانبساطي استناداً إلى كيفية اكتساب الإنسان للطاقة أو تخزينها عند قضاء فترة قصيرة في بيئة مختلفة تماماً. وقد وجد Dr. Jung أن الانبساطيين يشعرون بالنشاط حين يكونون محاطين بالناس، ويستمتعون بالتفاعل مع العالم الخارجي، ويفضّلون مشاركة أفكارهم ومشاعرهم مع الآخرين، في حين يستعيد الانطوائيون طاقتهم بالبقاء وحدهم، والشعور بالأمان والثقة في فضائهم الخاص، أو التأمل بهدوء في مكان هادئ.
ما الذي يسبب الشخصيات الانطوائية والانبساطية (بوصفها أطيافاً)؟
الشخصيات الانطوائية والانبساطية ليست أمراضاً أو حالات غير طبيعية تستدعي علاجاً طبياً. غير أنه وفقاً للأبحاث، تعود الشخصيات الانطوائية والانبساطية إلى عاملين أساسيين:
- العوامل الجينية (الجينات) أو الصفات الموروثة على المستوى الجيني والمنتقلة من الوالدين إلى الأبناء. فإذا كان الوالدان يتمتعان بشخصية انطوائية، فمن المرجح أن يكون الطفل انطوائياً أيضاً. علاوة على ذلك، يكون إفراز بعض الناقلات العصبية كالدوبامين أعلى لدى أصحاب الشخصيات الانبساطية؛ مما يجعل الانبساطيين يشعرون بمزيد من الحيوية والنشاط والحماس الاجتماعي.
- العوامل البيئية: قد يتشرّب الانطوائيون سلوك والديهم أو مقدّمي الرعاية لهم خلال نشأتهم في أسلوب حياة بسيط، أو في ظل وتيرة تواصل اجتماعي هادئة، أو في بيئة مسالمة تفتقر إلى المحفزات الاجتماعية. وتُسهم هذه العوامل مجتمعةً في تنمية سمات الشخصية الانطوائية. أما الانبساطيون، فقد نشأوا في بيئة مجتمعية مزدحمة ذات حجم تواصل مرتفع ومنتظم، أو في أسرة تنخرط بانتظام في الأنشطة الاجتماعية وتُرسّخ هذا السلوك في الأبناء، مما يُفضي في نهاية المطاف إلى شخصية انبساطية في مرحلة البلوغ.
ما هي الشخصية الانطوائية؟
- يستمتع الانطوائيون بقضاء الوقت مع أنفسهم—فهم يُحبّون التركيز على أفكارهم الداخلية، ويستعيدون طاقتهم بمجرد البقاء وحدهم.
- يمكن التعرف على الانطوائيين من خلال أسلوب حياتهم الهادئ. فهم كثيراً ما يُفضّلون قضاء أوقات فراغهم في ممارسة أنشطة أو هوايات في بيئة هادئة، تتيح لهم استكشاف أفكارهم وخططهم وخيالهم.
- يكره الانطوائيون التواجد في الأماكن المزدحمة، ولا يُفضّلون التواصل الاجتماعي، ويشعرون بالإرهاق بعد الاختلاط بالآخرين.
- في المواقف الاجتماعية، يميل الانطوائيون إلى أن يكونوا مستمعين أكثر من كونهم متحدثين؛ فهم في الغالب لا يبادرون إلى بدء الحديث. في المقابل، يُفضّلون توظيف أفكارهم لتحليل ما يقوله الآخرون. وعادةً ما يكون الانطوائيون أشخاصاً ذوي عمق فكري.
- عند العمل مع الآخرين، يتميّز الانطوائي بانتباهه الشديد للتفاصيل. فهو مفكر تحليلي يُخطّط لعمله خطوة بخطوة، ويظل دائماً منصبّ التركيز على العمل.
- قد يبدو التواصل مع الانطوائي أمراً عسيراً عند اللقاء الأول، غير أنه حين تنشأ المعرفة بينكما، يمكن أن يكون الانطوائي عضواً قيّماً في الفريق.
- عند العمل مع الآخرين، يتميّز الانطوائي بانتباهه للتفاصيل، وامتلاكه عملية تخطيط مدروسة، وإبداعه، وقدرته على تقديم أفكار جديدة ومثيرة للاهتمام.
- الانطوائي مستمع بطبعه في البيئات الاجتماعية—فهو شخص يتجنب الصراع، ومتحفّظ، ونادراً ما يُعبّر عن مشاعره، ويتصرف بتروٍّ وتفكير عميق بدلاً من الانجرار وراء الغرائز أو الدوافع اللحظية.
- عندما يتعلق الأمر بتكوين صداقات جديدة، يُفضّل الانطوائيون امتلاك دائرة صغيرة من الأصدقاء الذين يمكنهم مشاركتهم كل شيء ومناقشته، بدلاً من مجموعة كبيرة من الأصدقاء. فهم يأخذون وقتهم في بناء الصداقات، لكنهم حين يتوطّد الترابط، يمنحون صداقة حقيقية وخالصة.
- عند السفر، يميل الانطوائيون إلى زيارة الأماكن الطبيعية أو التاريخية التي تحمل قصصاً تُروى، ويقضون وقتهم منغمسين في أجواء تلك الأماكن وحكاياتها.
ما هي الشخصية الانبساطية؟
- الانبساطيون أشخاص يستمتعون بالتواصل الاجتماعي—فهم يشعرون بالسعادة حين يقضون وقتهم في الحديث مع مختلف أنواع الناس. وهم أشخاص تمنحهم الطاقةُ مجالسةُ الآخرين والتواجد في الأماكن والبيئات الحيوية.
- يتمتع الانبساطيون بمهارات تواصل بين شخصية متميزة—فهم منفتحو الأفق، سهلو التعامل، يستمتعون بالتواصل الاجتماعي في بيئات متنوعة، ويُحبّون التواجد وسط مجموعات كبيرة من الناس، ويُقبلون على المرح، ولا يُحبّون الانعزال، ويتمكنون من التواصل الاجتماعي بسهولة دون أن يشعروا بالتوتر.
- يمتلك الانبساطيون مهارات اجتماعية راقية، وقدرة على التفكير أثناء التواصل مع الآخرين، ودائماً ما تسير محادثاتهم بسلاسة، كما يستطيعون التكيّف مع أي حديث مع مختلف الأشخاص في أي موقف.
- في المواقف الاجتماعية، كثيراً ما تُتاح للانبساطيين فرصة الكلام، وهم في الغالب من يبادرون إلى بدء الحديث مع الآخرين. فهم أشخاص يعالجون المعلومات بسرعة ويتفاعلون مع الآخرين بانسيابية.
- الانبساطيون أشخاص نشيطون، يزدهرون في بيئة العمل الجماعي، ويستمتعون بالعصف الذهني ومناقشة الأفكار، ولا يهابون مواجهة تحديات جديدة في العمل.
- الانبساطيون سريعو اتخاذ القرار، قادرون على التفكير وتحليل المشكلات بسرعة، يجرؤون على مواجهة المشكلات، ودائماً ما يطرحون المشكلة للنقاش بهدف إيجاد حل لها، وهم على استعداد لتقبّل تحديات جديدة.
- الانبساطيون أشخاص يعملون بوتيرة سريعة، ويتمتعون بمرونة عالية، ومهارات إدارية جيدة، وقدرة على تعدد المهام أثناء العمل مع الآخرين. والانبساطي شخص يطرح أفكاراً لعمله باستمرار.
- الانبساطيون طيّبو الطبع، يندمجون بسهولة مع الآخرين، لا يُحبّون البقاء وحدهم لفترات طويلة، يستمتعون بمقابلة أشخاص جدد، ولا يخشون تكوين صداقات جديدة، ولديهم دائرة واسعة من الأصدقاء.
- يستطيع الانبساطيون السفر إلى أي مكان، ولا سيما الأماكن الرائجة أو المزدحمة حيث يمكنهم المشاركة الكاملة في الأنشطة. فهم من النوع المغامر الذي يُحب استكشاف أشياء جديدة ومشاركة تلك التجارب مع الآخرين.
ما هي الشخصية المتوسطة (الأمبيفيرت)؟
في مجتمع اليوم المتسارع الوتيرة، تتمازج شخصيات عديدة ومتنوعة. فالناس يتكيّفون مع بعضهم البعض. ونتيجةً لذلك، لا يوجد حد فاصل واضح بين الشخصيات الانطوائية والانبساطية. وتُعرف هذه الشخصية بـ"الأمبيفيرت"، أي الشخصية المدمجة التي تتكيّف مع الآخرين وتتوافق معهم. وتتسم شخصيات الأمبيفيرت بالخصائص التالية:- يستطيع الأمبيفيرت تجديد طاقته من خلال مقابلة أشخاص جدد، كما يمكنه البقاء وحيداً في فضائه الخاص دون أن يشعر بعدم الارتياح.
- تتميّز شخصيات الأمبيفيرت بقدرة عالية على التكيّف والمرونة، وبراعة في تحقيق توازن اجتماعي. فهم يستطيعون الانضمام إلى المحادثات والخروج مع الزملاء بعد العمل، لكنهم يحتاجون أيضاً إلى مساحة شخصية للتأمل في أحداث اليوم.
- شخصيات الأمبيفيرت مستمعون ومتحدثون اجتماعيون بارعون، ومتوافقون مع الانطوائيين والانبساطيين وسائر أنواع الشخصيات.
- تتفوق شخصيات الأمبيفيرت في التعلم والفهم، وتتسم بالتعاطف والدعم، وهي على استعداد لاقتراح حلول للمشكلات.
- تستطيع شخصيات الأمبيفيرت العمل بكفاءة ضمن فرق أو بشكل منفرد. فهم يستطيعون التخطيط للأفكار في مكان هادئ، مع الشعور بالراحة في تقديم أعمالهم أمام مجموعة كبيرة دون أن يشعروا بالإحراج.
- لا يضع الأمبيفيرت قيوداً على أنفسهم بأي شكل من الأشكال؛ فهم مرنون في تفكيرهم ولا يتقيّدون بنمط واحد. بل هم على استعداد للاستماع والتفكير في كيفية أداء المهمة على أفضل وجه ممكن.
- عندما يتعلق الأمر بتكوين صداقات جديدة، تتسم شخصيات الأمبيفيرت بطيب الطبع، وقدرتهم على المبادرة بالتعرف على الآخرين أولاً، وحسن توظيف أنفسهم في الحديث، والصراحة، وسرد قصصهم للآخرين بانسيابية، والاستماع إلى قصص الآخرين أيضاً.
- عند السفر مع الأصدقاء، يستطيع الأمبيفيرت أن يكون قائداً في التخطيط أو تابعاً لرأي الأغلبية في مجموعة الأصدقاء.
انطوائي، انبساطي، توازن حياة جيد، لا تهم الشخصية!
تتقلّب الشخصية عبر الزمن طوال حياتنا من نمط إلى آخر. فهي تعكس نمو قدرة الإنسان على التكيّف مع الآخرين والتفاعل معهم في المجتمع. إن تصنيف الشخصية النظري لـ Carl Jung ليس سوى نظرية تصف كيفية اختيار الناس للأماكن التي يشعرون فيها بالراحة مع أنفسهم، وهذه الشخصيات تتغيّر مع تقدّمنا في العمر. فمع مرور الوقت، قد يصبح الانبساطيون أقل انخراطاً في الحياة الاجتماعية، وأكثر انطواءً، وأكثر ميلاً للاستماع، في حين قد يصبح الانطوائيون أكثر انفتاحاً اجتماعياً، ويُظهرون أنفسهم أكثر، ويستطيعون التحدث وتقديم أنفسهم بطلاقة أمام مجموعات كبيرة من الناس.
بقلم
Dr Lanchasak Akkayagorn
طبيب متخصص في طب النفس
الملف الشخصي للطبيب